الساعة تزحف نحو الرابعة .. مضى نصف اليوم تقريبا .. هل وجدت السكينة التي كنتُ أرجو ..؟
لا .. ولكني لا آمل أن ينحرف اليوم نحو هدوءٍ أكبر
على الرغم من أني أرى أن زحفي نحو العشرين كان بطيئًا إلا أني أعلم أن الأيام القادمة ستكون سريعةً جدًا ، لن يمضي الكثير حتى أطرق أبواب الثلاثين .. يا إلهي .. يبدو هذا مغرقًا في البعد الآن ، ولكن العشرين تنقر على رأسك لتخبرك أن العمر يا صاح يمضي
أجد نفسي أسترق النظر إلى مخلص حياتي الماضية ..
طفولتي .. أي جزء منها يا ترى كان الأعظم أثرًا ..؟! ولادتي في نزوى أم أولى خطواتي في مسقط أم الروضة في الأردن أم صف الأول في نزوى أم سنتي أدنبره أم استقراري الأخير في مسقط .. أين طفولتي في كل ذا .!؟ ما أحمله من ذكريات لا يتجاوز بضع مشاهد عبثًا أبحث فيها عن دور لي سوى الصمت .. ألا يقال أن الطفولة تبني الكثير من شخصية الفرد ..
أحسب أن طفولتي رسبت فيي الصمت .. والحديث مع الذات !
مراهقتي العويصة ! .. كم كانت معقدة تلك الأيام .. بداية تعمقي في ذاتي .. توهاني الذي أغرقني في بحر من اليأس والضيق .. وحدتي التي حزت الخناق على عنقي .. فانفجرت .. وحينها بدأت أكتب ..
على الرغم من سوداوية مراهقتي ـ من وجهة نظري على الأقل ـ إلا أنها شكلت فيي الكثير ، أخرجتني أكثر نضجًا .. أكثر صلابة .. أكثر قدرة على فهم تناقضاتي .. قسم كبيرٌ من معاناتي وقتها لم تكن " هرمونات " المراهقة مسؤولية عنها بل خصالٌ ترسبت حتى أعماق أعماقي شجعتني على الإنزواء .. فليس في الكون مستمتع ..
وقتها آمنت أن إيجاد صديق يلائم تركيبتي العجيبة شبه مستحيل وإن جادت الدنيا بواحدٍ فلابد أن يكون ذا شخصية معقدة يحسبني أهوى الغموض بحد ذاته ..
ولكني كبرت بسرعة .. ونضجت بسرعة .. وها أنا أطرق العشرين ..
عقدين من الزمن .. ياااااااااه كم كبرتِ يا روح
في كل سنة تتغير في أشياء كثيرة .. أمقت ما كنت أحبه وأعود لأحب ما كنت أمقت ..
لا زلت أجرب كل يوم فلسفة جديدة وأصل إلى قناعات متناقضة ..
ليت أروى الطفلة تستطيع أن تراني الآن .. أن تطمئن إلى أنها ستكون سعيدةً حين تكبر ..
ليتها استطاعت وقتها أن تدرك أن طرق أبواب الروح سيضيء لها طريقها في الحياة
ليتها علمت أن الأصدقاء سيأتون .. يتأخرون قليلا .. بالمقدار اللازم ليكونوا أجمل .. ليكونوا أكثر ملائمةً لكل تفاصيل روحها
ليتها أبصرت وحيًا يهدهد روحها .. يكفكف دموعًا غزيرة سكبتها دون داعٍ وحدها ..
لأجلك يا طفلتي .. لأجلك عملت جاهدة لأفهم ذاتي .. لأجلك أصررت أن أغوص أكثر وأكثر وإن بدا للآخرين أني مغرقة في الغموض زاهدة في الحياة
لأجل أن لا يخنقك الضيق دون أن تدركي السبب
لأجل أن لا تسرق الوحدة من عمرك أكثر
لأجل أن لا تضطري للإختباء طويلاً .. غصت عميقًا .. وأغرقت نفسي في نفسي .. وطرحت مئات الأسئلة دون أن أجد لها أجوبة .. وتألمت .. وبكيت مرة أخرى .. ويأست كثيرًا .. كثيرًا جدًا حتى حسبت أني ما خلقتُ إلا لأشقى
ولكني بعد ذا .. وصلت !
لست نادمة على شي فعلته أو تركته طوال العشرين سنة الماضية .. حتى تلك الأخطاء التي أغرقتني في الألم والضيق .. كلها صنعتني كما أنا الآن
لن أقول أني راضية تمام الرضى عن نفسي
ولكني سعيدة بما حققت
سعيدة بـ فكري .. سعيدةٌ بعلاقاتي .. سعيدةٌ بـ طريقتي في العيش
عشرون يا صاحبي ..
عشرون عامًا قد مضت .. أترى فكرت أمي بهذا اليوم حين ولدتني ..؟
أترى
خططت لـ ما قد أكون في هذا اليوم يا أبي ..؟
أترى خذلت تصوراتكم ؟ أم تراني أصبحت تمامًا كما تحبون .؟
أمي
أرهقتك لـ سنواتٍ طوال .. سلبتُ منكِ الكثير .. من راحتك .. من حقك في الإستمتاع بالحياة .. من شبابك الذي أفنيته في رعياتي ..
كنت في عمري تمامًا حين ولدتني .. أبصري كم تغير الزمان يا أمي .. في العشرين كنت أمًا لشقيتين تكافحين لتكملي دراستك في ظروفٍ صعبة .. وفي العشرين أفخر أنا بما حققته من فلسفة ! خخ
أترى أدركت وقتها كم ستمر الأيام سريعًا لتبصري شقيتيك تنغمسان في دراستهم الجامعية تمامًا كما كنتِ أوان ولادتهما ؟
أبي
يا فخري الأوحد .. أهذا ما أردت أن تكون عليه ابنتك يا حبيب .؟ أتدرك كم كبرت يا أبي ؟ أم أنك لا تستطيعن أن تبصر فيي سوى ابنتك الصغيرة .. .!؟
متى يا أبي سأستطيع أن أمسك عنك المقود وأرغمك على الراحة ..؟
متى سأكف عن الإستناد على كتفك في كل صغيرة وكبيرة ..؟
أترى ستورثني ثقتك بـ فكرك بعد حين ..؟
متى ..؟
أنا يا أبي قطعت شوطًا كبيرًا .. وتعبت كثيرًا .. ينبغي عليك تهنئتي =)
منذ أيامٍ وأنا أتسائل ماذا سأكتب في هذا اليوم ..
أشعر براحةٍ كبيرة بعد ثرثرةٍ طويلة كـ هذه
يبقى أن أختتم الأمر بشكر عميق لـ أرواحي .. أنتم سعادتي يا أحبة
لـ بلسمي .. انتي شكلش ما تشوفي في العشرين غير الدبلة .. أبوي توكلي على الله وتزوجي انا ما شكلي بلحقش خخخخ
لـ صغيرتي .. لا بأس أن تحبي الشكولاته أكثر مني .. بقليل .. قليل فقط .. في كل الأحوال أنا سأسلبك ما قد يقع في يدك منها
لـ توأمي .. سأنتظر .. ولن يكسر الإنتظار سوى قلقي
لـ ذهبيتي .. أنتِ الأروع يا رائعة .. وحدك من تمنحين سعادة يستمر جمالها
وكل عام وروحي الجميلة بخير =)