الثالثة مساء الخميس
ما لا أحبه في أيامي الآن أن الفارق بين أوقات اليوم أصبح مبهمًا ، قد لا تستيقظ في الصباح وقد يمر الظهر قبل أن تنتبه أن صلاته وجبت وقد يكون جل يومك هو عصرك وما إن يحين المغرب حتى تفجع بأن الساعة قاربت الواحدة صباحًا !
أنا أحب الصباحات نقيةً مليئة بالخيارات والإحتمالات ، أحب أن أشعر أني أملك يومي وأن الوقت لا يذهب سدى ، أحيانًا أشعر أني لا زلت أحتفظ بشيءٍ من رتابة أيامي يكفيني لأحافظ على روحي كما كانت ، وأحيانًا أشعر أنه من الصعب أن تحافظ على تشكيلة يومك حين تدخل فيه شخصًا آخر يختلف نظامه ومفهومه عن اليوم عنك.
حسنًا ، بعيدًا عن ذا ، هل أخبرتكم أني تزوجت ؟ أعني أني انتقلت إلى بيتٍ آخر يبعد حوالي نصف ساعةٍ عن بيت أهلي ـ لا تسألوني عن المسافات فأنا لا أجيد تقديرهاـ ، الحقيقة أن انتقالي كان سلسًا، لم أشعر بحنينٍ موجعٍ إلى بيت أهلي ، لم أفاجأ بعاداتٍ غريبةٍ من زوجي كما حذرتني بعض الفتيات!، بيتي ـ أو شقتي الصغيرة ـ لا زالت قيد التكوين ، اشترينا قبل اسبوعين كراسي الصالة وانتظرت وصولها بفارغ الصبر فقط لنكتشف أنها ليست اللون المطلوب، ومع ذلك حتى يتم النظر في هذا الأمر أنا في الحقيقة أجلس عليها الآن !
بلى ، ليس من السهل أن تعيش من شخصٍ آخر ، خاصة حين تكون مثلي شخصًا يميل إلى الإنعزال والتقوقع وحده من أفكاره التي لا يجيد التعبير عنها سوى هنا، ولكن الله يسر لي كل شيء ولله الحمد ، ومع حقيقة أننا توظفنا أخيرًا وسنبدأ بالعمل تبدو فكرة التخصص أصعب بالنسبة لي من الزواج !
ومع ذلك تبقى حقيقة أن غدًا هو العيد! ، لا زلت أذكر الوقت الذي كتبت فيه هنا منتقدةً العيد في المعمور ، كنت أراه مملاً يفتقد إلى أي إشارةٍ للعيد، ثم كبرت وبدأت أحبه ، أحب المكوث هناك والحديث مع بنات عمي ، أحب الإنخراط في الطبخ معهن ومشاركتهن كل تفاصيل اليوم ، أحب عرسية العيد جدًا ولا أنتظر أن "يعزمني" عليها أحد، وحين بدأت أجد روحي هناك تزوجت، وأصبح لزامًا علي أن أقضي العيد في مكان آخر ، مع عائلةٍ أخرى أكبر بكثيرٍ من عائلتي ، قابلت جل أفرادها مرةً واحدة فقط، ورغم أنهم لطفاء إلا أني أدرك أني محط الإنتباه هناك ، ورغم أن ذا له إيجابياته بالطبع، إلا أن فكرة أني شبه مجبرةً على ارتداء لباس فخم وأكثر ما أستطيع من الذهب تبعث في روحي الإشمئزاز والضيق.
أنا في الحقيقة أدرك أني يومًا ما سأحب العيد هناك ، سأحب المكوث عندهم والحديث حتى مع العجائز ، ولكني أدرك أيضًا أني بطيئةٌ في التعود، وأني حتى يومها سأظل محملةً بالكثير من المجاملات ومحاولاتٍ مضحكة في الظهور بمظهر حسن، أشعر أن قلبي مثقل ، وأني مع كل هذه النقلة في حياتي فإن ما أحتاجه حقًا أن أقضي العيد بين أهلي لا أن يزج بي في " اختبارٍ" آخر.