الخميس، 11 يناير 2018

اعترافٌ بالفشل

علق زوجي قبل يومين أني لم أغير جملة "حالتي" في ال"واتس أب" منذ تزوجنا ، كتبت يومها ( ثم تبحث عن روحك مجددًا)
لم أعلق يومها ـ كما لا أعلق على الكثير مما يقال حولي !ـ ولكني شعرت بالحزن لأني لا زلت أبحث عن روحي دون أن أجدها
الآن أشعر أني فقدتها تمامًا !


هناك أيامٌ أحاول فيها التمسك بالجمال في الحياة وأقول أني أبلي حسنًا ، ففي نهاية اليوم أنا لا زلت حيّة ولم تحدث مصيبةٌ بعد في حياتي !
ولكني كثيرًا ما أغرق في حقيقة أني تعبت من المحاولة وأني لا أفعل شيئًا سوى مراكمة خيباتٍ أكثر كل يوم
وكأن خيبة روحي لم تكن كافية لأضيف إليها خيبة فشلي كزوجة ، وكطبيبة ، وكابنة ، وأخسر مع ذا سند صديقاتي ووجودهن الدائم في حياتي لأني ابتعدت في محاولة للإنتصار على كل هذه المعمعة.
وأكثر من كل ذا ، روحي التي ظننت أني أبحث عنها دائمًا ، الآن مع الفراغ الذي أشعر به اكتشفت أني كنت أملك جزءً كبيرًا منها .. جزءٌ ما شعرت بوجوده إلا حين فقدته !


أنا لم أعد أنا ، لم أعد أستطيع القراءة ، أفتح الكتاب وأشعر بروحي تسكن هناك ، أشعر بها في متناولي ، ولكني ما إن أحاول الإندماج مع الصفحات حتى يهدني النعاس والتعب فأتركه ، حتى بات الكتاب غريبًا عني هو الآخر.
لم أعد أستطيع الكتابة ، أشعر أن صدري وعقلي يضج بالأسئلة ، بثرثرات تحتاج من يسمعها، بمشاعر تحتاج من يقر بوجودها ، ولكني أكاد لا أبوح بحرفٍ أمام أحد، حتى المقربين إلي ، يسحبني الصمت ، اللاشيء ، أغرق في عبثية تتركني مع فكرة واحدة " ماذا أقول ؟ كل ما يقال عبث!" ، كنت أعوض عن عدم قدرتي على البوح بالكتابة ، ولكني أصبحت أدخل هنا مرارًا ولا أنجح في كتابة سطر ، حتى أصبحت زياراتي إلى هنا قليلة ، مصحوبة باليأس ... اليأس من أن أجدني في أي مكان
حين يشتكي أقرب الأشخاص إلى من صمتي الدائم وانعزالي أود لو أحملهم إلى عقلي وأضعهم في معمعته وأطلب منهم إيجادي إن استطاعو ! ولكني في الواقع أبقى أحدق فيهم صامتة ، دون أن أنبس بشفة ! " كل ما يقال عبث ، كيف لهم أن يفهموني إن كنت لا أفهم نفسي"


في أحيانٍ كثيرة أؤمن أني قوقعتي هذه ما هي إلا محاولةً للهرب من مسؤولياتي، من فشلي في أن أكون " زوجة وطبيبة وأخت وابنة وصديقة" ، وأني أفضل التعامل مع الأمر كـ " لا أدري ماذا حل بي" بدل التعامل معه كـ " هناك فشلٌ عظيمٌ في حياتي"
زوجي ليس مثلي ، رغم أنه في ذات المعمعة ، ولكنه يمر بحالاتٍ من الضيق يعلنها ويتعامل معها ثم تذهب ويستمر هو بالعيش كإنسانٍ طبيعي ! يقر بأخطاءه وسلبياته ولا يخجل منها ، صريحٌ دائمًا ، ينتقد نفسه ويتجنب انتقادي بعد أن رأي أني لا أتعامل مع النقد بطريقةٍ حضارية !


قال لي مرةً أني أعيش في سلامٍ مع نفسي ، حتى إن كنت أعرف عيوبي إلا أنها لا تزعجني وأنه يكبر في ذلك! ، أدركت يومها أني أكاد أكون غريبةً عن زوجي ، أني لا زلت أفشل حتى في إيصال ضعفي وخيبتي إليه ، لا زلت قويةً في نظره ، أنا التي ما كنت أبدًا بهذا الضعف ، ما كنت يومًا مؤمنةً بفشلي كما أنا الآن.
حين أنظر إليه أتسائل دائمًا عما يدور في رأسه اتجاهي ،

 أصبحت أدرك أنه لا يبوح بما يسوؤه مني دائمًا لأنه يرى عجب الخيبة التي أغرق فيها ، ولأنه مرهف الحس فهو لا يستطيع أن يؤذيني بكلمة عن قصد ، هو لا يدرك أني أعرف كل شيء، أعرف عن كل اللحظات التي ينزعج فيها من أي تصرفٍ أقوم به ، أو لا أقوم به ! أستطيع أن أرى الخيبة في عينيه، في نبرة صوته ، في صمته الذي يحاول جاهدًأ أن لا يلوذ به حتى لا تصبح حياتنا خاليةً من أي حديث !
ورغم كل ذا ، ورغم أني أحبه لرهافته ، إلا أن جزءً مني لا زال يذبل مع كل ضيقٍ أراه في عينيه ، امتلء خيبةً وأتذكر أني لست الأميرة التي حسبتني سأكونها ! أتذكر أني لست بالجمال الذي يحسب ، وإن حاولت جاهدةً أن أحيي تلك الصورة عني ، ولكني في قاعٍ سحيق ، قاعٌ لا يسمح لي بارتداء أقنعة جميلةٍ دائمًا !


والديّ لا يتذمران من انسلاخي عنهما بعد زواجي ، يحاولان إسكات رناد حين تشتكي بأن شوقها إليّ لا يخمد وأن زياراتي أصبحت قصيرة ، ولكني أستطيع أن أشعر بروحيهما تذبل ، أستطيع أن أضع نفسي في مكانهما وأرى ابنتي تغادران حياتي حتى لا أكاد أتواجد فيها ، وفي كل مرة ، في كل مرة ، أشعر بخنجرٍ ينغرس في قلبي حين أودعهما ، وأصمت .. أبكي وحدي أحيانًا .. ثم أصمت ، وأحاول إقناع نفسي أني كل شيء على ما يرام ، وأني لا زلت الابنة التي كنت ، لا زلت أملك الأم والأب اللذين يعتنيان بي كابنة تسع سنوات ..ثم انتكس في يومٍ كاليوم ، يومٍ أقر فيه بأني لست بخير !


لا أريد الحديث عن صديقاتي ، مقدار الخيبة الذي أمنحه إلى كل واحدة منهن كل يومٍ كافٍ ليسلبني رفقتهن ، ولكني لا زلت أتمسك بدفاعاتي وألوذ بالغضب في حال وجدت إحداهن لنفسها الحق في الشكوى !
ثم لا أستطيع إلا أن ألوذ بهن حين انتكس وأغرق في الضيق ، لأرى مبلغ ظلمي لهن فأغرق في الضيق مجددًا !


أنا متعبة ، متعبةٌ من محاولة النجاح في كل أدوار حياتي ، لطالما آمنت أني لا أستطيع أن أفعل أكثر من شيء في آن واحد ، ولكني أجد نفسي في موضعٍ لا خيار لي فيه ، فهل أقطع زواجي أم أقطع صلتي بأهلي أم أخرج من عملي ؟
حتى مع الخيبة التي أعيشها كل يومٍ حين أدرك أني أفشل في كل دورٍ من هذه الأدوار لا زلت لا أستطيع الإنسلاخ عنها ، وأعيش في نهاية الأمر بروحٍ معوجة لا تستطيع أن تكون بخير ولا تستطيع أن تكون غير ذلك أيضًا
روحٌ فقدت من الحياة الكثير ، ثم لا تجد مواساةٍ في علاقتها بربها لأن الخيبة تغرقها هنا أيضُا ، حتى حين ألوذ بالدعاء لا أستطيع الإنفكاك من ذنوبي الكثيرة ، صلواتي المعوجة ، وحيائي من أن أطلب القرب ممن لا أهرع لقربه !


هل كتبت الكثير؟
لا أدري ، ولكني تعبت من الثرثرة ، أظن أني سأعود لأنفجر مجددًا بعد عدة أشهر أعيش فيها في ذات الدوامة
لن يتغير شيء
هذه أنا كما كنت دومًا ، ولكن الخيبات تزداد مع العمر !