
نشرت هذه الصورة على حسابي في الانستجرام في تموز/يوليو 2015
أذكر جيدًا ذاك الاسبوع
كان أطول فترةً بقيت فيها مع جديّ ، لم أعد أذكر الداعي الذي ألزمني بالبقاء معهما في نزوى لأسبوعٍ ذاك الصيف، ولكني أذكر أني لم أكن سعيدةً بفكرة كوني الفتاة الكبرى المسؤولة عن البيت ، وعن جديّ ، وعن مراعاة الضيوف القليلين الذي يمرون للسلام عليهما
ولكني كنت فتاةً هادئةً لا تتذمر، أؤدي واجبي بهدوء وأقضي الوقت أتأمل كيف يمكن أن يقضي المرء يومه وهو في عمر الشيخوخة
كانا يستيقظان قبل صلاة الفجر ويبدأ جدي بتلاوة القرآن بصوت عالٍ يمنعك من محاولة العودة للنوم
كانت جدتي تعاني من آلام مفاصلها فتتحرك ببطئ، على عكس جدي الذي يكون عن جاب البيت وتأكد من الفطور ومستلزماته وقرأ القرآن وأخذ قيلولة أخرى قبل شروق الشمس
كنت في بداية أشعر أنها أيامٌ صعبة ستمضي وأعود لمسقط حين أستطيع النوم أو السهر كما أشاء
ولكن الساعات التي قضيتها في تأملهما كانت تجلب لي السعادة رويدًا دون أن أنتبه
كنت أراه يقطف لها الورد والياسمين ويخبئه في كمته ثم يفتح يدها ويضعها فيها
كان جدي لا يكف عن الدخول للمطبخ وإملاء شروطه لكل الوجبات بصوت عالٍ فتعترض جدتي حينًا فلا يستجيب لها لضعفٍ في سمعه فتبقى تتذمر من عدم قدرتها على مجابهته
كنت أحفز جدتي كل مساءٍ على المشي على طول الصالة لئلا تفقد قوة في رجليها ، وكانت تطيعني حينًا وتأبى حينًا لأنها لا تحب تناول مسكنات الألم
أخر ذكرياتي إني حين هممت بالرحيل انزعج جدي لأني سأترك جدتي في رعاية من يصغرني سنًا وقال لي " أتعقيبها بيبيتش ؟"
تلك الكلمة تركت في قلبي ألمًا يزداد الآن بعد رحيلها ، جلست بقربها واستسمحتها فقالت لي أني "تجملت" عليها ببقائي كل تلك المدة ،
ودفنت في يدي خمس أو عشر ريالاتٍ
لا زلت أشعر بالغصة في حلقي طوال الساعة ونصف حتى وصولي لمسقط
حينها نشرت هذه الصورة وكتبت تحتها ( ما إن وصلت لمسقط حتى تتالت علي ذكريات هذا الأسبوع معهما)
والآن تنهال علي صورها في المستشفى بعد أن كسرت رجلها ، أجزم أنها آخر ذكرياتي عنها قبل أن تصبح طريحة الفراش
وصور جدي طوال هذه السنوات وهو يقرأ عليها أذكار الصباح والمساء ، وهو يدخل عليها في كل مرةٍ مستبشرًا يخبرها بمجيئنا " جاية حيتش زهرة وبناتها " ، وهو يحمل السجادة بعد صلاته ليفرشها قربها ويصلي لها مرة أخرها
ثم وهو عائدٌ من عزائها بعينين حمراوتين يقول لابنته " ثلاثة وسبعين سنة .. واليوم حق الفراق"
بقيت أحاول دفن الكلمات وتناسيها ، أحمد الله كثيرًا أنها ما عانت أكثر في آخر أيامها ، أحمده كثيرًا أن روحها فاضت في البيت لا في
المستشفى
ولكني أدركت أني لا أستطيع نفض الحزن مالم أكتبه وأتركه هنا
لتبقى دعوات نرفعها للسماء كل يوم أن يحفها الله برحمته ويربط على قلوبنا جميعًا