أبي
مر اسبوعان على زواجي، نحن لم نتحدث في الأمر كثيرًا، سوى تبريكاتٍ هنا وهناك ، لم تنادني لتحدثني عن حياتي المقبلة ونصائحك لها كما توقعت ، تراك تفعل قبل زفافي ؟
.. قل لي يا أبي، لم أشعر بهذه الحيرة دونك ؟
حتى قبل أن يتم عقد القران كنت أفكر فيما سأكتبه لك هنا بعدها ، كنت أفكر بآخر رسائلي إليك قبل أن أنقل إلى كنف رجلٍ آخر، يومًا قال لي أحدهم ( أصدق ما تكتبين هو ما توجهبنه لأبيك)، رغم أنك ما قرأت يومًا ما أهذي به إليك، رغم أنك لن تقرأها أبدًا على الأرجح ، ولكني لا زلت أشعر بالحاجة للفضفضة لك أنت دون العالمين ، لا زلت أشعر أني بالكتابة إليك أدفن نفسي في حضنك وأشعر بالأمان.
... أنا التي ما دفنت رأسي في حضنك أبدًا ، أنا التي لا أذكر متى كانت آخر مرة تجاوز فيها اتصالنا قبلتي على يدك كل صباح!
أعلم أن زواجي لم يكن كما توقعته، بعد زواج أختي بمن اختارته أشعر أنك أردت لي زواجًا أكثر "تقليدًا"، من عائلةٍ تعرفها وترتاح لها وشخصٍ تؤمن بصلاحه ولا يتركك تسهر ليالٍ كثيرةٍ لتقرر مدى استحقاقه لابنتك ، ولكني عكس توقعاتك أصررت على شابٍ لا تعرف عنه شيئًا، عائلةٌ بعيدة من محافظة مختلفة ومذهبٍ مختلف تركك لديك من المخاوف ما آثرت معه تجنيبي لتجربةٍ قد تكون قاسيةً علي في المستقبل ، ولكني علمت أنه الشخص المناسب لي ، شعرت أني لو استمعت لهذه المخاوف لندمت بعدها طويلاً ، أيقنت أن القدر ساقه إليّ لسبب ، وأنت لم تعترض على رأيي قط ، كنت حنونًا في كل شيء، في مخاوفك حين نقلتها إليّ ، في ثنائك على شخصه حين قابلته، في حثك لي على اتباع قلبي وعقلي حين أدركت أني أغوص في الحيرة.
حين سمعت حديثك مع صاحبك عرضًا ذات اليوم ، كنت تخبره بنقاشنا ، كنت تعرض عليه تفصيلاً ما قلته بالحرف في الليلة الماضية، تسأله عن رأيه وكيف تستطيع أن تسبر أغوار الشاب لتطمئن علي حقًا.
أبكيتني يومها يا أبي ! ، بعد أن كنت حادةُ في نقاشي معك حين بدوت مترددًا في الموافقة على علاقةٍ تحمل كل هذه الإختلافات ، أدنى ترددٍ منك جعلني أقدم أولياتي وحججي رغم أني ما كنت قد اتخذت قراري بعد، لم أكن أعلم أنك تخزن كل كلماتي في ذهنك وتتركها تحتل تفكيرك كاملاً تلك الأيام ، لم أكن أدرك حجم الثقل التي تحمله في روحك لإرضائي ، لم أكن أفهم كم أردتني سعيدة، حتى إن أخذت سعادتي من راحتك.
.. ثم تزوجت يا أبي
وأصبحت أشارك انتمائي إليك لرجلٍ آخر ، سعيدةٌ أنا بقراري، واثقةٌ أنه قدري وأنه الصواب ، ولكنه وإن كان طيب العشرة رهيف الحس رقيق المشاعر ، وإن اعتنى بي بحنانٍ كما يفعل الآن ، إلا أن انتمائي إليك يا أبي أكبر من أي شيء.
سأظل ابنتك قبل أن أكون زوجةً لأحد ، قبل أن أكون أختًا وصديقة ، سأكون ابنتك قبل أن أكون أنا .
لن يدرك أحدٌ أنك يا أبي نسيجٌ في روحي ، أني تشربتك منذ ولادتي وكبرت وأنا أراك وأتوق لأكون مثلك يومًا.
لن يفهموا يا أبي كيف يسكنني حنانك الذي لا تظهره جهارًا أبدًا ، كيف تكون هادئًا بعيدًا عن العاطفية ولكنك تراقبنا دون أن ندري ، تقرأ في عيني إن كنت متعبةُ فتحدثني بشكل عامٍ كيف أن الحياة طبعت على كدرٍ ولا يجب أن أتركها تثقلني ، تدرك أني قادمةٌ من العمل وجائعة فتترك لي وأنت تأكل قطع اللحم على صحني لتحثني على المواصلة ، تركب سيارتي فتجد إيصال دفعٍ لامتحانٍ ما فترسل إليّ المبلغ دون أن تخبرني بشيء ..
ماذا أقول يا أبي ، كم مرةٍ تظاهرت بأنك لا تريد أمرًا إن أحسست أنه لا يناسبني ، كم مرةٍ استشرتني أنا التي لا أملك من الحكمة شيئًا في أمرٍ يخصك ويهمك وأخذت برأيي ..
لن يفهم أحدٌ أني يا أبي عشت حياتي وأمامي رجلٌ بهذه الأناقة والنقاء .. كيف لي بعدها أن أخرج من رعايته!
ها أنت تناديني للغداء ، لا أستطيع مخالفة ندائك
لذا سأصمت
لن يكفيك حرفٌ يومًأ يا أبي
ولكني سأظل أكتب إليك أبد الدهر ، لأني بغير ذا لا أروم التنفس