إنها الواحدة بعد منتصف الليل
قبل نصف ساعةٍ أغلقت مصباح الغرفة ووضعت رأسي على الوسادة لأنام ، ثم فجأةً هبط علي وجعٌ اعتدت أن يزورني بين حينٍ وآخر مع ذكرى من أسوأ ما مررت به في حياتي.
إنها آخر الأسابيع في آخر سنةٍ في المدرسة ، يطلب من كل صفٍ من صفوف الثاني عشر أن يقيم يومًا إداريًا تحت شعارٍ معين تكون فيه الإذاعة وإدراة المدرسة مسؤوليته ، ولصفنا اختارت رئيسته شعار (حياتي بلا أغاني لها أسمى المعاني)، ووجدتها أنا فرصةً لأعبر في إذاتها عن استيائي وانتقادي من قيام صفٍ آخر بغناء أغنيةٍ على الطابور قبلها بفترةٍ في احتفالٍ لا أذكره ، ولم أكتفِ بعد بذا فانتقدت سكوت الإدراة والمعلمات عنه ، لا أدري لم ظننتُ يومها أنه فعلٌ صائب .. ولكنه لم يكن ، ومنذ أن نطقت بآخر حروفي حتى انقلبت المدرسة لتصبح أسوأ كوابيسي ، كنت أشاهد المعلمات يتحدثن مع بعضهن قبل أن تنتهي الإذاعة وأتوقع أن يوجه إليّ انتقادٌ بعدها ، ولكن ما عانيته بعدها كان أكبر بكثير.
كنت طالبةً أقرب ما أكون للمثالية من أي وصفٍ آخر ، كنت تلك التي لا تكسر القواعد أبدًا وتبكي إن خسرت درجةً في الإمتحان وتصفها المعلمات بالملاك ، كان يقول لي خالي أنني أكبر بكثيرٍ من سني .. ولكني لم أكن كبيرةً حقًا. كانت تجاربي ضحلة ، لم أتعلم بعد أن وجهات نظرنا لا ينبغي أن تجرح الآخرين بأي وسيلة ، لم أتعلم أننا مهما كبرنا يبقى فكرنا محصورًا و آفاقنا ضحلة ، لم أتعلم أن الإعتذار فن ، وأن الإقرار بالخطأ هو أكبر فضيلة ، ولم يكن هناك من يعلمني ، كان يُتوَقع مني أن أتصرف بمثاليتي المعتادة .. كيف ؟.. لا أدري كيف لم يبصر أحدٌ تلك المراهقة التي كُسرت يومها.
كل انتقادٍ وجهته لي الإدراة ، كل اجتماعٍ استدعيت له ليشرحوا فداحة فعلي ، وقوفي في المسرح للإعتذار الذي لم يرق للإدراة فقررت استدعاء والدي الذي أخبرني بعدها بألطف ما يملكه من أسلوبٍ أن أكون حذرة .. كل شيءٍ حفر بالخنجر في قلبي وحول آخر أيامي في المدرسة إلى اختناقٍ لا أطيقه .. نظرتي التي ألصقتها بالأرض وعيناي تمتلئان بالدموع حين علقت مدرسة التربية الإسلامية على تصرفي بطريقة غير مباشرة ولكنها حادة في الحصة ، عجزي عن لملمة الفوضى حين أتت إلى إحدى الفتيات غاضبةً تنتقدني ذات يوم ، حتى تعليق توأمي البريء حين لم يفز صفي في المسابقة بـ "أتشعرين بالذنب ؟" ، كلها هشمت روحي إلى الحد الذي لم يتصوره أحدٌ تلك الفترة .. ولا يتصوره أحدٌ الآن.
كيف ؟ كيف استطاعوا أن ينهشوا فتاةً وهبتهم كل شيءٍ لأنها أخطأت ، كيف لم يبصر أحدٌ ضعفي ووجعي الذي ما استطعت إظهاره ، كيف لم يعرف أحدٌ بأني أبكي كل يومٍ قبل النوم ، بل في كل لحظةٍ أبقى فيها وحيدة. كيف بعد هذه السنين لا زلت أتوجع بهذا القدر حين أتذكر ؟ ظننت أني سأكبر وسأنسى ، ولكني في أول سنةٍ لي في الجامعة كنت أعيش الأمر مرارًا وتكرارًا ، احتجت لسنين لأتصالح مع ذاتي ، احتجت لسنين لأدرك أننا نخطئ وأنه لا بأس بأن نتوجع لنتعلم ، احتجت لسنين لأسامحهم !
حين أفكر بالأمر عقليًا الآن أدرك كم هو سخيفٌ أن يُقلِق أحدٌ بعد هذه السنين ، ولكن ما يبقى من الماضي هي أحاسيسنا .. لا المنطق، ولذا أشعر بالحرقة حين أرى أختي الصغرى رغد تمر بمراهقتها وبكائها على أمورٍ لا تستحق، أشعر بالوجع حين أرى أن تعامل أمي وأخوتي وأحيانًا أنا نفسي لا يختلف عن تعامل معلماتي معي وقتها ، أن العالم لم يتغير .. أنا فقط كبرت. كم أتمنى أن تفهم المعلمات مدى قوة تأثيرهن على طالباتهن ، خاصة أولئك اللاتي لا يقترفن في العادة من الأخطاء ما يعودهن على العتاب، كم أتمنى أن نستطيع استيعاب هذه الفئة أكثر ، فأن تصرخ لأخطائهم سهل ، أن نلومهم على فشلهم سهل ، أن نتبنى أرواحهم هو الأصعب.
إنها إحدى أسراري التي أشعر بالخجل من نفسي حين أذكرها ، ولذا قررت أن أقوم الآن وأكتبها علني بذا أسمح لوجع المراهقة بداخلي أن يرحل، والحق أني كما أذكر كل من آلمني أذكر مواقف أناسٍ عظامٍ وهبوني بعض الهواء لأتنفسه ، صديق أبي الذي أرسل لي الكثير من الشكولاته تعزيزًا لما اعتبره جرأةً كبيرة ، مدرستي العظيمة التي لو كانت موجود لحملت كل الأمر على كتفها وجنبتني الوجع ولكنها اتصلت لي لتظهر مساندتها الكامل بأجمل صورة ، ونائبة المديرة التي نادتني حين رأتني بعدها بأيامٍ طويلة لتسألني " هل أنتِ بخير ؟ " ، تراها تدرك كم عنى لي السؤال يومها ؟
إننا نحفر في القلوب الحب كما نحفر الوجع ، خاصةً أولئلك الذين يلتزمون الهدوء دون أن يفصحوا عن همومهم، هل يتصور أحدٌ أن وجعًا كهذا رافقني كل هذه السنين ؟ وأني حتى بعدما تصالحت مع نفسي أعود كلما تذكرتها في ليلةٍ مظلمةٍ سنين إلى الوراء ولا أستطيع كتم دموعي ؟ لم يفهم أحد .. ولن يفهم أحد ..
ولكني تعلمت الكثير ، اليوم منحت رغد دفتري الذي كتبت فيه ملخصات لما قرأت من كتب ، أخبرتها أني سأشتري لها الشكولاته حين تنهي كتابًا وابتاع لها هديةً لكل خمس كتبٍ تنهيها وتكتب ملخصاتها ، لأني أعلم حجم الوحيدة التي لابد تشعر بها ، وأعلم أن الكتب هي أجمل ما أستطيع وهبها إياه ، فإلهي ، حفها برعايتك .. وساعدني ، ساعدني أن أكسر حاجز العمر بيننا ، بل حاجز شخصيتي الإنعزالية ، لأكون لها الملاذ الذي تحتاج .
والآن يا أروى .. حاولي النوم مجددًا
1:40 صباحًا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق