كلُّ أعباءِ روحي .. وتناقُضاتِها .. وفلسفاتها .. أرمِيها هُنا .. لأعود للعالمِ روحًا .. طبيعية !
الثلاثاء، 7 مارس 2017
.. مفترق طرق
لا أريد أن أعيد هنا مذكراتي، ولكني أريد القول أني سعيدة أن فكرة الزواج ما عادت مرعبةً كما كنت أخشى، كان الله رحيمًا بي فأرسل إليّ أكثر الرجال لطفًا ليحببني في قربه، يبقى مع ذلك التوتر الذي تحمله التجربة الجديدة وحقيقة أني سأغادر بيت أبي ، هذا أمرٌ أحتاج للكتابة عنه في وقتٍ لاحق.
أخيرًا ، قسم الجراحة لم يكن سيئًا، الحق أني استمتعت بالتجربة كثيرًا ، لا زلت أرى أن الفرق بين أطباء الباطنية والجراحين شاسع، دماثة الأخلاق وحسن التعامل مع من يصغرهم مقابل غرورٍ غير مبرر ، ومع ذلك لا أستطيع التعميم، والحق أني أكاد أكون من النوادر الذين لم يواجهوا مشاكل أو مشاحنات مع أي جراح ، ربما لأني أحاول جاهدةً أن لا أترك لأحدٍ مجالاً لإنتقاد عملي.
عمر سيأتي في منتصف آيار، كم أرجو أن يبقى حتى يوم العرس لأني أعلم أنه لن يكون هنا يوم الملكة، رغم أني على الأغلب لن أستطيع رؤيته في عرسي، ولكن يعز علي أن يحدث كل هذا في حياتي وهو بعيد، أخشى على قلبه من حسرة أن يكون معزولاً عن أفراح العائلة ـ وأفراحنا معدودة !ـ ، رغم أن أفكارًا كهذه لا تراوده على الأغلب ولكني ـ بعاطفة الأخت الكبرى ! ـ لا زلت أقلق عليه !
ماذا بعد ؟ أسامة يحضر للأم دي ، من كان يتصور أن الأيام ستمر بهذه السرعة لأجد أخي في ذات موقعي السنة الماضية ، لست قلقةً عليه في الحقيقة ، أعلم أنه سيستطيع تخطيه بإذن الله ، بعض التوتر أمرٌ لابد منه، ريم في الجانب الآخر أكملت عامها الأول قبل بضعة أيام ، هذه الملاك لا زالت تبدو كطفلةٍ لم تكمل تسعة أشهر، دلعها أخذ معظم طاقاتها على الأغلب فهي لا تكاد تنفك من أمها ما دامت قريبةً منها، أنا في الحقيقة أفتقد أياماً كانت تُترَك لي لساعات فأكون أمها ويرحل جل دلعها هذا !
فيما عدا ذهبيتي أفتقد بقية أرواحي كثيرًا جدًا ، بل أفتقد الكثير من الأصدقاء والأقارب الذين ابتعدوا ـ أو ابتعدت أنا !ـ مع كل أشغال الحياة.
شكرًا ، لكل الأرواح التي تعتني بقلبي الصغير
الجمعة، 18 نوفمبر 2016
فضّ الإضراب
وبعد انتهاء اسبوعين على الإضراب ، وبعد أن تقرر فضّه ، أشعر أن قلبي مثقلٌ أكثر من أي وقتٍ مضى، أشعر أني سأغرق في السواد إن لم أسارع بنجدة روحي !
حين عدت إلى العمل بعد انتهاء مرضي وتخرجي كنت سعيدة بالفريق الجديد، ومع ذلك جاء قرار الإضراب سريعًا ومفاجئًا بالنسبة لي ـ أنا التي قررت الخروج من مجموعات التواصل الإجتماعي سابقًا!ـ ، ومع ذلك كنت سعيدة أن الجمهور قرر أخيرًا الثورة على وضعهم البائس ، لم يكن المستقبل واضحًا ، لم تكن خططنا محكمة ، لم نكن على دراية بما سنواجهه ، ولكن الجميع كان متكاتفًا بطريقةٍ أدهشتني حقًا، كنت سعيدة لأننا بهذه الروح سنصمد طويلاً ، كنت موقنةً أن الكثير من التهديدات ستأتي ، شخصيًا لم أكن أريد شيئًا ، لم أكن أمانع أن أبدأ السنة من جديد ، لم أكن أمانع أن أستمر في الإضراب لما تبقى من السنة حقًا ، ولكن حين تكون فردًا من أكثر 150 طبيبًا وطبيبة يصبح المكان لأرائك ضيقًا جدًا .
حين عقدنا اجتماعًا في الاسبوع الثاني من الإضراب كان رأي البعض أن الاستمرار في الإضراب لن يقودنا لشيء ، لأن الوزارة أعلنت إفلاسها اتجاهنا وكل ما تستطيع فعله هو " وعدنا بالتوظيف السنة المقبلة" ! ، وبتنا ندرك أن تصديق وعدٍ كذا هو حمقٌ آخر ، في الجانب الآخر كل ما نأمله سيحل من قبل " الجهات العليا " ولذا فإن إيصال رسائلنا إليها كان منبع أملنا الوحيد ..
وفعلنا .. أو ربما فعلنا !
خرجت من الإجتماع وأنا مقتنعةٌ ـ عقليًا ـ بما يقولون ، نعم لا زلت أقول أني أستطيع الإستمرار لعامٍ كامل ولكن أيحق لي أن أشجع البقية على ذلك وأنا أدرك أنه قد لا يكون في صالحهم ؟ وأن عودتهم للعمل قد تسهل الأمر للـ " جهات العليا" ؟!
الكثير من الأسئلة والحيرة عصرت دماغي يومها ، وحين عُرض التصويت بعدها بيومين كانت الأمور مختلفة ، باتت الشكوك في من وصلت إليهم الرسائل كبيرة ، وخيبة الزميلات في فك الإضراب كبيرة ، كان تمديد الإضراب لثلاثة أيامٍ قادمة رأيًا رأيته أفضل الموجود ، جلست أحدق في شاشة التصويت طويلاً متسائلةً عن " القرار الصائب" وإلى أين ستقودنا هذه الأزمة يا ترى ..
وجائت بعدها نتيجة التصويت في صالح فض الإضراب ، الكثيرون وصلت بهم خيبة الامل في التشكيك في النتيجة والمطالبة بتصويتٍ علني ..
ولكن الأمر انتهى !
ربما لم تكن خيبتي بمثل حدة خيبتهم ، أنا لم أكن أستبعد نتيجةً كهذه ولكن قلبي لم يكن يريد تصديق أنها صارت حقيقة ، كنت أريد أن أصدق أننا لا زلنا أقوياء ومتحدين وأننا نستطيع أن نكمل اسبوعًا آخر دون تخلخل ودون أن ينشق عنا الكثير، كنت أريد أن أنسى أن التحكم في أكثر من 150 شخصًا يصبح أصعب يومًا بعد يوم.
نسيت كل ما تعلمته في حياتي سابقًا ، قلبي أراد أن ينسى لعل الحياة تقرر أن تنسى أيضًا ، وللمرة الثانية يخذلني قلبي .. وتضطر الحياة لتعليمي الدرس مجددًا !
في الوقت نفسه تقرر إحداهن أن تحدثني عن " صديقٍ يسألها عن شخصيتي " وتسألني عن استعدادي لاكتشاف شخصيته ، بهذه البساطة ! وكأن في قلبي متسعٌ لرجل الآن ، وكأن كل هذه الضجة في عالمي لم تكن كافيةً لإبعاد الجميع ، وكأني أحتاج من يذكرني أن قلبي يخذلني مجددًا !
غفوت على أمل أن استيقظ بروحٍ جديدة ، روحٍ لا تفكر في أنها يجب أن تكون مستعدةً لأن تضع الخيبة جانبًا وتنفصل عن الجموع لتعيش بمبادئها وحدها مجددًا ، روحٌ لا ترى أن القادم سيستزف من روحها كثيرًا وأن مجرد فكرة الإنتقال إلى قسم الجراحة في المستشفى السلطاني تجعلني أصارع آلام بطني ! ، روحٌ يجب أن تبدأ في تقبل فكرة الإرتباط بشخصٍ ما ، وأنها يجب أن تمنح رجلاً حقه من " التفكير" إن قرر هو ـ أو عائلته ! أو شخصٌ من معارفه ! ـ أن يخطبني، أنا التي أصبحت ثقتي في الرجال شبه معدومة !
ولكنني استيقظت بروحٍ مثقلةٍ أكثر ، أشعر بأن الوجع يخرج من صدري ويمتد ببطئٍ ثقيلً نحو أضلاعي ليسحبني للأسفل ، ولكني لا اريد أن أظل هكذا ، لا أريد أن أبقى منكسرةً طوال اليوم ، لا أريد أن أهب أحدًا ـ كائنًا من كان ـ القدرة على زجّي في قبوٍ مظلمٍ ، ليكن الكون مظلمًا إن شاء ، ليكن الكثير ممن فيه ضعفاء خوانين مليئين بالخذلان ، لا يهم ، أستطيع أن أبقى بخيرٍ ما دام هناك جزءٌ نيّر ، ما دامت هناك كتبٌ تسرقك من الآخرين ، ما دام هناك من يغني ليشاركك ذات أحاسيسك ، ما دام هناك أشخاصٌ تستطيع أن تهبهم حبًا كاملاً وثقةً غير محدودة وتعلم أنك لن تندم يومًا..
ولذا فتحت الصفحة هنا لأكتب ، لأني أعلم أني بعدها أستطيع أن أكون بخير ، لأني هنا أنفض أعباء روحي ، لأن هذه المساحة البيضاء تحتويني أكثر من أي ذراع..
كوني بخيرٍ يا أروى
سيبحث عنك الجمال قريبًا =)
الأحد، 16 أكتوبر 2016
conjectivitis
العاشرة والنصف مساء الأحد
يوم الثلاثاء أصابتني عدوى التهاب في عيني تطورت بسرعة في غضون يومين ولذا اضطررت تحت توجيه الاستشاري ( دكتور خليل ما غيره !) أن أتغيب عن الحضور يوم الخميس ، البارحة قررت أني لن أحضر اليوم أيضًا لأذهب لعيادة الـ FAMCO في الجامعة لأن عينيّ أصبحتا أسوأ مما مضى .
الحق أن القرار لم يأتِ بهذه البساطة ، مجرد اضطراري للتغيب يوم الخميس رغم أني أرغمت عليه تركني في خليط من مشاعر الذنب و " عدم الارتياح " ببساطة ، والآن حين أقرر أنا أن أستمر في تغيبي مع علمي أني يفترض أن أناوب اليوم جعلني أغرق في مشاعر أسوأ من الضيق الشديد ، من عدم رغبتي في إرهاق الآخرين بمناوباتي إلى خشيتي من أن تسوء سمعتي بسبب غيابي إلى خوفي من أن أطالب بتعويض مناوباتي الاسبوع المقبل أو في أيام نهاية الاسبوع ، كل ذا جعل هذه الأيام أبعد ما تكون عن " راحة مريض " ، وزادها أن الطبيب طالبني اليوم أن أتغيب لبقية الاسبوع وأنا أعلم أني أملك مناوبة أخرى يوم الجمعة ، أصررت حينها على أني سأذهب يومها وأؤدي ما علي . ولكني بعد حين وأمام إصرار والدي أن لا أبرح المنزل هذا الاسبوع ، ونصائح الآخرين بأن أعتني بنفسي لأن الفريق كبير ويستطيع " تدبير أمره" أرسلت للطبيبة المسؤولة أني سأتغيب بقية الأسبوع .
لا زلت لا أدري من سيؤدي مناوبتي يوم الخميس ، وكم أرجو أن لا أضطر لخوض حالةٍ من الإضطراب مجددًا بعد أن كانت مناوبتي اليوم ستلقى على عاتق إحدى زميلاتي بصورة ظالمة .
ولكني في النهاية الأمر قررت أن أترك الموضوع يرحل من بين يدي . أدركت أن هذا المرض يحمل رسالةً أكبر من مجرد عدوى سترحل بإذن الله سريعًا ، أدركت أن مجيئه في هذا الوقت بالذات ، في قسم أمراض الدم ومع أفضل أطباءه الذي أردت بشدة أن أكون كأفضل ما أستطيع أمامه ، أدركت أنه حتمًا درسٌ لابد منه في حياتي. أنا التي أصر دائمًا على القدوم باكرًا والرحيل في الوقت المحدد ، أنا التي أريد أن أبدو مثاليةً في عملي ولا أدع مجالاً لأيٍ كان أن ينتقد اجتهادي وإخلاصي ، أنا التي أريد لكل شيء أن يكون جيدًا كان يجب أن أتعلم أن الأمور لا تكون دائمًا كذلك !
يجب أن أتعلم أني لا أستطيع دائمًا أن أكون بالمثالية التي أريد ، وأن ضعفي هو جزء من إنسانيتي التي لا تعيبني أبدًا. يجب أن أتعلم أنه إن اختار الآخرون انتقادي على ما ليس لي ذنبٌ فيه فهو عيبهم لا عيبي ولا يجب أن آبه ذلك ، بل إن اهتمامي بآراء الآخرين بهذه الطريقة هو ضعفٌ ليس إلا . يجب أن أتعلم أن أضع نفسي أولاً ، خاصةً في أمور العمل التي لا تدين فيها لزملائك بحق التضحية ! . يجب أن أتعلم السيطرة على عقلي الذي يحب التفكير كثيرًا وتحميل جسدي فوق طاقته.
كان يجب أن أتعلم كل ذا ، وأعلم أنه حتمًا الوقت المثالي لذلك ، ولذا فكل ما أرجوه هو أن أتعلم الدرس حقًا وأن لا تضيع هذه الفرصة هباءً !
أنه يوم الأحد ، ولا زال أمامنا أسبوعٌ من هذه الإضطرابات العقلية ، لنرى كيف ستبلين يا أروى ، كم أرجو أن تجدي بعضًا من السكينة التي تحتاجين !
السبت، 1 أكتوبر 2016
حربٌ ضد عقلي
عن اللحظات السعيدة التي لا تستطيع أن تسعد فيها !
عن أن ترى جدتك تتعافى وتحدثك وترد عليك وتشعر بالرغبة في توثيق هذه اللحظات ولكنك
تخشى أن تكون وثائق كالسهام في قلوب الجميع بعد فترةٍ لا يعلم إلا الله كيف ستسير
!
عن أن تكون في مكانٍ بعيدٍ عن مكان عملك وتدرك أن لك
يومين من الإجازة تنعم فيهما ولكنك تستيقظ على ألمٍ في بطنك وعزوفٍ عن الأكل وعقلٍ
مثقل بالتفكير .. فيمَ ؟ في لا شيء
عقلٌ مثقلٌ بمشاهد من العمل تثقل روحك .. مشاهد بسيطة ..
لم تكن تزعجك يومًا .. أشخاصٌ تحبهم ..
لمَ إذن ؟تتذكر نفسك في إحدى لحظات إكتئابك العميق ـ الغير مبرر
غالبَا ـ في المناوبة ، فتفتزع ، وتحجم عن السؤال ثانيةز تشعر بالحاجة
لأن تخرج من عقلك ، تهبط السلم لترى أهلك يتناولون الإفطار ، تمسك بقطعة الخبز
وتحدق في الأكل أمامك ، تمامًا كما في تلك اللحظة في المناوبة ، ولا تشعر بأدنى
رغبة في ابتلاع أي شيء ، تعلق أمك ( لابد أن بطنك لا زال ممتلئًا من عشاء
البارحة ) ، فتجيب أنت بتلقائية ( بطني
يؤلمني قليلاً )ثم تتذكر .. كم مرة قلتها في الأسابيع الماضية "
بطني يؤلمني قليلاً " ، كم مرة منعتك آلام بطنك من الأكل ، من الاستلقاء
والقراءة ، من فعل أي شيء ! تقولها وأنت تدرك أنه ليس بطنك .. إنه عقلك .. عقلك من
يجب أن تحارب !عن أن تمسك بابنة أختك الصغيرة بين يديك فلا تستطيع أن
ترى ضحكتها إلا وتأتيك في عقلك حقيقة أنك ستفتقد هذه الضحكة في مناوبتك بعد يومٍ
أو يومين.
عن أن تخرج مع صديقتك فتشعر أنك ملزم بتخزين كميةٍ كبيرة
من السعادة ، تحدق في كل من يمر حولك وتقنع نفسك بأنهم يمرون بفترات اكتئابٍ مثلك
تمامًا ، وأن الراحة التي تشعر بها اليوم ستكون فائضة عن حاجتك وتستطيع
تقسيمها لأيامٍ تحتاجها فيها مستقبلاً ،
ثم حين تثقل روحك بهذه الأعباء يقرر عقلك التدخل ثانية وتذكيرك أنك لا تستطيع
تخزين السعادة .. وأن كل ما تملكه الآن سعادةٌ ناقصة مشوهة بمخاوفك المستقبلية !
بدأت الحديث عن جدتي ثم جرفتني نفسي فما استطعت كبحها ،
لطالما قلت لرفيقتي حين كانت تشكو من قلة كتابتي أن الكتابة حاجة ، وأننا نستطيع
مشاركة أفراحنا ولكن الأحزان دائمًا تسحبك بعيدًا عن الآخرين ، أخبرتها أن قلة
كتابتي تعني أن روحي مستقرة وأني بخير .. وها أنا أعود للثرثرة هنا ، لأن روحي ما
عادت مستقرة .. ولأني لست بخير !
أنا يا صديقي أحاول جاهدة إصلاح اكتئاباتي المبعثرة ، تلك
التي آمنت منذ أمدٍ طويلٍ أنها نتيجة فراغٍ في روحي ما استطعت ردمه ، والآن أدرك
أني إن أردت إصلاح روحي فيجب أن أحارب عقلي ، عقلي الذي قرر أن يغرق جسدي كله
وروحي في متاعب كثيرة ، عقلي الذي يرفض الإستسلام بعد شهرين من النضال ومحاولات
الصلح ، عقلي الذي لا يفتأ يذكرني بضعفي ، ويسحبني في كل مرة إلى أقصى درجات
التطرف ويتركني راغبة عن أي شيءٍ سوى التقوقع في سريري والبكاء.أحاربه لأجدني بعد جهدٍ قد وقعت في مصيدةٍ أخرى له ،
وأني حين كنت أحاول إصلاح الأمر أزيده من سوءه ..
إنه يخبرني أني لا أستطيع أن أنجح ضده ، أن معادلة دون
وجوده لن تؤتي ثمارها ، وأني إن أردت الإنتصار فيجب أن أعمل معه لا ضده
وأنا أدرك أنه صائب .. ولكن يا عقلي من بدأ كل ذا
السبت، 24 سبتمبر 2016
أمراض الدم .. نعم أم لا !؟
الثامنة مساء السبت
أشعر أني منذ أسبوعٍ لا أكاد أتوقف عن التفكير في التخصصات ، والمناوبات ، ونفسيتي التي لا أكاد أسيطر عليها حتى تنفلت وتبعثرني مجددًا.
أسبوعٌ آخر ثم أبدأ مع قسم أمراض الدم ، وأنا ببساطةٍ أشعر بالخوف ، من كل شيء !
الخوف من المناوبات الكثيرة والمتعبة التي ما نفتئ نسمع عنها في هذا القسم منذ بدئنا قبل شهرين ، الخوف من حقيقة أن هذا هو التخصص الذي أريده وحين تعلم أني أعاني صعوبة في التأقلم مع المناوبات وكآبتي قبلها وأثنائها تدرك ما الذي يضطرب في دماغي .
عدت صباحًا من مناوبتي التي كانت بعكس سابقاتها جميلة وهادئة ، ولكن ذا لم يكن كافيًا ليمنع آلام بطني معظم اليوم وضيقي ورغبتي في العودة إلى المنزل ، ورغم أني في العادة أكون أسعد ما يكون في اليوم التالي للمناوبة إلا أني هذا الاسبوع انتكس سريعًا في نهاية اليوم ، وأعود للتفكير في المناوبة القادمة وفي مستقبلي الذي أشعر بثقله منذ اللحظة . كنت أحسب أن السبب هو مناوبة العيد التي تركتني في حالةٍ نفسيةٍ صعبة ، وربما كان هذا صحيحًا فما يشغل فكري الآن ليس المناوبة القادمة بل الشهر القادم في أمراض الدم !
أخشى أن يكون العمل فيه مضغوطًا فأعزف عن التخصص ، أخشى أن لا أبلي فيه بلاءً حسنًا فأخذل نفسي وأخذل أكثر من أحترم من الأطباء ، أخشى أن لا أستطيع فيه السيطرة على كآبتي قبل المناوبات فأقضي الشهر كله من ضيقٍ إلى آخر ، أخشى أن ينتهي الشهر فأشعر بالسعادة ! أخشى أن أنهي الطب الباطني وأنا لا زلت بهذا التخبط لأواجه قسم الجراحة وأتمنى لو أني ما أضعت الوقت في الباطنية في التذمر !
اليوم وأنا أحضر العشاء تتقافز في رأسي الأفكار ، ماذا عن طب الأسرة ؟ لا أحب أنه عام وأنك كطالب تخصص تدور في كل الأقسام تماماً مثل طالب الطب لتشعر في كل قسمٍ أنك لست جيدًا بما يكفي وتعاني من ذات المناوبات ، ولكنها أربع سنواتٍ ثم تقذف في إحدى المراكز الصحية لتعيش حياةً سعيدة ، أين ؟ الله أعلم . ماذا عن الأمراض الجلدية ؟ لا أدري إن كان متوفرًا في الحقيقة ولا أجد معلوماتٍ كافيةٍ عنه ، يبدو من بعيد جميلا ومريحًا ولكن ما هي خطة الدراسة وكم هي مدة الدراسة وما هو مصيرك بعدها ، لا أدري ، الكثير من الأشياء الغير مفهومة ، أي معمعةٍ هذه التي تحرك روحي وجسدي هذه الأيام ! أتراها تقودني إلى الطريق الصحيح أم تراها تحملني إلى قرارٍ أندم عليه لاحقًا ؟
ما أدركه الآن أن الكتابة عن هذه الأفكار تريح رأسي قليلاً
والمستقبل سيتكفل به الله
الجمعة، 16 سبتمبر 2016
مناوبات العيد !
الثالثة مساء الجمعة
إنه " خامس أيام العيد" إن كان هناك يومٌ كذا ! ، عدنا صباحًا إلى مسقط بعد أسبوعٍ من الإجازة قضينا معظمه في بهلا ونزوى ، هذا العيد كان مختلفًا ، إنه أول عيدٍ لا يكون فيه أخي عمر موجودًا ، أنا أدرك أنه لابد وأن شعر بالضيق لأن العيد يمر هناك دون أن يلقى أهله ـ وما العيد سوى لقاء الأهل ـ ، ولكن عمر ما ترك يومًا لمشاعره أن تعبر إلينا ، كان ولا يزال الفتى البشوش الذي يستطيع التعامل مع الأمر ببساطة تجعلك تصدق سهولتها ! أنا التي ما استطعت تجاهل ما قد يعتمل في صدره من ضيق حاولت مواساته بحقيقة أني الأخرى سأقضي ثاني أيام العيد في المشفى ، مما يعني بطبيعة الحال أني سأضطر للرجوع إلى مسقط في أول يوم عيد ، وبغض النظر ما إذا كان ضيق عمر حقيقيًا فإن ضيقي من العمل في العيد كان عظيمًا ، رغم أني تجاهلت الأمر لأطول فترةٍ ممكنة إلا أن اليومين اللذين سبقا العيد حملا إلي دقائق من الضيق وآلام البطن ، خاصة وأن ذهابي إلى نزوى ذكرني بأني سأعود لمسقط دون عائلتي ، ومنحني وقتًا أكبر للتفكير في ذلك ـ بما أن أعمال المنزل هناك أقل ! ـ .
ومع ذلك كنت أريد للعيد أن يكون جميلاً ، استقيظت فجرًا كعادتي ولكني وجدت الأهل أقل تحمسًا لهذا العيد من سواه ، ومجرد إحساسي بذلك ، مجرد أن مشهد " عرس العرسية" لم يكن احتفاليًا كما أردته حمل إليّ ضيقًا أعظم ، وكأني فقدت الخيط الذي يمنعني من الوقوع في هاوية الإكتئاب ، ولكن الحقيقة أنه كان يومًا جميلاً في نهاية المطاف ، اضظررت إلى المغادرة عصرًا مع أسامة ، آسفة أنا لأني اضطررته إلى شيءٍ كذا ، ولكني على الاقل استطعت رؤية صغيرتي قبل سفرها ، ذا وحده خفف علي نفسي وحشة تلك الليلة ، لم ألبث بعد الزيارة طويلاً وخلدت للنوم .
كان العمل يومذاك مزدحمًا كثيرًا ، لا تعرف شيئًا عن المرضى وتضطر للقراءة عنهم جميعًا ومجاراة أهاليهم والممرضات في الوقت ذاته ، ثم لا تنتهي من ذا قبل منتصف الظهيرة وتدرك أن عملك الحقيقي لم يبدأ بعد ، كنت كلما تراكمت علي الأشغال أقنع نفسي بالذهاب لدورة المياة والنظر إلى نفسي في المرآة والتنفس عميقًا ، ومع ذلك فبحلول الرابعة والنصف وجدت نفسي أترك كل شيء وأدخل غرفة النوم المخصص للأطباء المناوبين وأتناول قطعة الكعك التي أحضرتها لي ذهبيتي صباحًا ولا أستطيع منع دمعي من الهطول وأنا أحدثها عن مبلغ ضيقي ، وجدتها تأتي قبيل المغرب بشطيرتي المفضلة ومشروبي المفضل وتجبرني على الأكل ، زيارتها يومًا خففت عن روحي الكثير ، والجيد أنه بعد مغادرتها أصبحت الوضع أهون وعلى الرغم من توافد المرضى بعدها حتى صباح اليوم التالي إلا أني استطعت النوم لساعتين أو ثلاث وجدتها كافية ، لم يكن الليل صعبًا ولكن النهار هو ما أثقل روحي ، ولذا فأملي أن القادم من مناوباتي لن يكون بهذا السوء ( وإن كنت سأناوب في نهاية الاسبوع المقبل أيضًا ! ) . حين تكون مناوبتك صعبةً هكذا يزيد ذا من ضيقك قبل مناوبتك القادمة ، رغم أني أحاول جاهدة مكافحة هذا الأمر ولكنه متعب ، وحده الزمن ما سيساعدني على تخطي هذا الأمر ـ وحتمًا وجود صديقة كذهبيتي ، لا حرمت منها أبدًا ـ
لا زلت أملك اليوم وغدًا للإستجمام ، الحق أني لن أذهب للمشفى يوم الأحد ـ رغم أن مناوبتي يوم الأحد ! ـ إلا أني يجب أن أحضر دورةً في كيفية وصف الدواء ولذا طلبت من إحدى زميلاتي أن تناوب عني يوم الأحد وآخذ أنا مناوبتها لليوم الثاني ، رغم أن ذا سيقلص الفترة بين المناوبتين إلا أني سعيدة لأني سأقضي اليوم مع ذهبيتي وسيكون مريحًا بعض الشيء.
وبعدأصبحت المناوبات الكئيبة هي حاجتي للكتابة ، أنا في الحقيقة أشتاق شيئًا من الإستقرار الروحي وقدرًا أكبر من الراحة ! ، أتوق لليوم الذي تصل فيه عاملة المنزل لأن ذلك سيعني أن الليالي ستكون ملكي دون أن أضطر لأن استنفذ البقية الباقية من طاقتي في المنزل ، وأدرك أيضًا أني بحاجة للمذاكرة ومراجعة الكثير من الأشياء ، خاصة وأني سأبدأ مع فريق أمراض الدم الشهر المقبل ويجب أن لا أُظهر حماقتي وغبائي لمن أرجو منهم أن يقبلوني في التخصص .
عمومًا
ربما كانت الكتابة هنا مريحة بعض الشيء ، ربما لا ، لا أدري حقًا ، أظن أني سأقرأ أكثر اليوم وأحاول الإعتناء بنفسي قليلاً لأشعر أني استفدت من الإجازة.
وليكن ما تبقى من هذا الشهر جميلاً =)
الجمعة، 2 سبتمبر 2016
.. ثمّ أصبحت طبيبة !
الثامنة مساء الجمعة
انقضى شهرٌ على بدأ عملنا في المستشفى ، انتهى وقت في قسم الأورام وبدأت البارحة مع فريق جديد في الطب الباطني.
الكثير من المشاعر اختلطت في روحي هذه الفترة ، الكثير من آلام البطن والإسهال والكثير من القلق والرهبة ، وفي المقابل الكثير من السعادة والفخر ، كنت أعلم أن نقطة ضعفي ـ كما والكثيرين غيري على الأرجح ـ هي المناوبات الليلية ـ الـ 24 ساعية بالأصح ! ـ ، تكثر فيها لحظات الضعف والضيق الشديد ، حين تودع فريقك وتبقى وحيدًا تنتظر أن يرن الهاتف لتجيب محاولاً إخفاء خوفك من أن يكون الأمر خطيرًا ! ، تود ساعاتها لو تعود للبيت وتنسى كل شيء عن الطب والعمل وتقضي ما تبقى من حياتك في القراءة والكتابة ومشاهدة الأفلام ، تراجع كل حساباتك وتندم على قرارك التعسفي في الإنضمام لكلية الطب ، تتسائل ما إذا كان ما تفعله يستحق العناء وإذا كان " من الضروري أن تمر بكل ذا ! " ، إنها معمعة من المشاعر التي تترك بطني ـ وقلبي أحيانًا ـ في حالةٍ كسيفة !
ومع ذلك ما إن يطلع الصبح ويحين أوان عودتك للبيت حتى تختفي كل هذه الأحسايس ويبقى فخرك أنك صمدت وتستحق يومًا مليئًا بالجمال ، وإن كان الواقع أنه سيكون مليئًا بالخمول والنوم ومحاولات فاشلة في الإستيقاظ .
الآن وقد أنهيت شهري في قسم الأورام أستطيع القول أنه ما كان مرعبًا كما سمعت ، ربما تفيدني هذه الحقيقة الآن في المحاولة للسيطرة على خوفي من القادم ، فالأرجح أنه هو الآخر لن يكون مرعبًا كما يقال ، ومع ذلك لا زلت آمل أن هذا الشهر لن يكون مليئًا بالوفيات كالشهر الماضي ، أن تحدق في تلك العيون التي تخبرك أنها غادرت الحياة وتتحمل مسؤولية إعلام الأهل والأحبة بهذا النبأ التعيس ، أن ترى مريضك كل يوم وأنت تعلم أن اللحظة قد تأتي الآن وتضطر لشرح الأمر لعشرات من الأهل والاقارب كل يوم أمرٌ مرهق ، مرهقٌ جدًا ، أنا لا أفهم كيف لشخصٍ أن يتخصص في علم الأورام ، لا أستطيع أن أفهم !
ولكني سأفتقده !
سأفتقد الفريق الطبي الذي ـ فيما عدا الاستشاريين ـ تحكمه الإناث ، سأفتقد الأريحية في التعامل والقصص النسائية الكثيرة التي نملء بها اليوم ، سأفتقد الاستشاريين الذين كانوا ـ بعكس ما سمعنا عنهم ـ ودودين ومتفهمين للكثير من حماقاتنا .
الآن مع الطب الباطني يبدو الوضع أكثر ازدحامًا ، وأعلم يقينًا أن المناوبات ستكون مزدحمةً أكثر ، كما أني سأقضي ثاني أيام العيد في المسشفى وهو ما يحمل إلي ضيقًا لا أروم صده بين حينٍ وآخر .
ولكن
تبقى الحقيقة أن شهرًا مر ، وأنه مر بسلام ! لم يكن بالصعوبة التي توقعتها ، ممتنةٌ كثيرًا لأني استطعت التأقلم عليه ، لا أنكر أن الكثير من المناوبات ما كنت لأستطيع أن أستصيغها لولا رفيقتي الدائمة التي تنقذني كل مساء وتحمل لي عشائي وتأتي قبل موعد مناوبتها لتجلس معي ، لا أدري إن كنت سأستطيع التأقلم بهذه السرعة لولا أنها كانت تعتني بي من كل النواحي ، تتأكد أني أحمل في جيبي بسكويتًا أو شوكلاته لئلا يغمى علي في منتصف النهار ، تأتي للجناح وتتعرف على فريقي وتوصيهم بالعناية بي ! بقدر ما يبدو ذلك طفوليًا إلا أني أعيش براحةٍ موقنةٍ أن هناك من سيتأكد أني بخير .
في المقابل أنا تركتها تعتني بي دون أن أعتني بها ، وقد كان شهرها عصيبًا مليئًا بالمناوبات التي لا تنتهي قبل منتصف الليل عادةً ، وكم أشعر بالألم حين أدرك أنها كثيرًا ما كانت وحيدةً وجائعة دون أن أكون بقربها ، هي التي ما تركت جانبي أبدًا ، هناك أشخاصٌ لا نروم إيفائهم حقهم أبدًا ، ورفيقتي هذه إحداهم ، وكم أرجو أن يكون شهرها القادم مريحًا وجميلاً.
وبعد ؟
ظننتني سأعود للقراءة والكتابة بعد انتهاء الإمتحانات ، ولكني لا أقرأ كثيرًا ، أنغمس في أعمال البيت ـ لا سامح الله عاملة منزلنا التي هربت قبل العيد ! ـ وأشعر أن يومي موزع بين هذا وبين العمل في المسشفى وما تبقى منه هو رغبةٌ في النوم أو الإنغماس أمام فيلمٍ لأشعر أني لا زلت أملك شيئًا من حياتي !
ورغم المشاعر التي ملئت صدري ما استطعت الكتابة عنها يومًا ، وفي المناوبة الأخيرة حين وجدتني في حاجةٍ لأن أكتب رفضت الحاسوب في غرفتي أن يكتب العربية ! وشاء القدر أن أفقد قلمي فما استطعت الكتابة في الورق ، فأدركت يومها أنه لا يفترض بي أن أكتب عن إحباطي وقتها لئلا يعيقني عن إتمام الليلة !
والآن أبقى ممتنة لكل يومٍ لا أناوب فيه ولكل عطلة نهاية أسبوع أستطيع قضائها مع أهلي ، أشعر أني سأحتاج وقتًا طويلاً للتأقلم مع نمط الحياة هذا ولكن المهم أني لم أتنكس كما حصل قبل ثلاث سنوات ، الكثيرون يقولون أني يجب أن أستمتع بهذه السنة قبل بدأ التخصص الذي سيكون بطبيعة الحال أصعب ، كل سنةٍ تحمل جمالها كما تحمل همومها.
.. لا زلت أشعر أن في صدري الكثير مما لم أقله ، لا زلت أستلقي على وسادتي وأستطيع أن أحس بالكلمات تدور في عقلي وتتبعثر مع دقات قلبي ولكني لا أستطيع أن أمسك بها ، لا أستطيع أن أفتح صفحةً وأفرغها ، لا أستطيع أن أملء بها رسالة طويلةً أرسلها لشخصٍ لا يعرفني كثيرًا
...ولكني كتبت
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)